أحمد الكمالي_تحقيق_بناء:
على الرغم من تقدم عمره، ما يزال العامل عبده سالم الذي التحق بالعمل في مصنع الغزل والنسيج بالعاصمة اليمنية صنعاء مطلع السبعينات من القرن الماضي، يتردد ما بين الساعة والأخرى على مكان يبعد أمتار عن بوابة مصنعه الذي توقفت أقسامه مجتمعة عن الإنتاج منذ 17 عاما، مبدئا نباهة شديدة لأي حركة قد تصدر من داخل السور، ورافعا إحدى يديه فوق جبهته علها تنجح في حجب ما يمكن من أشعة الشمس عن بصره الضعيف كلما تهيا له رؤية السراب المتراكم من عوادم السيارات وزمهرير الشمس كدخانا متصاعد من مدخنة المصنع، يعود بعدها إلى منزله غير مطمئنا لشيء سوى أن زملاء أخرين مازالوا في عمر يسمح لهم بتميز السراب دون الحاجة لوضع أيديهم على جباهم، يقومون بنفس المهمة عديمة الجدوى، دون تكليف من أحد.
داخل أسوار المصنع، أقسام مغلقه وأطلال مباني تكالبت عليها عوامل التعرية وطالها دمار الحرب، مدخنة صدئة وآلات بعضها خرجت عن الخدمة لأسباب عديدة، والأخر عادت لحالتها الساكنة بعد فشل عملية إعادة التشغيل الأخيرة، ولا حركة تستدعي كل ذلك الانتباه من سالم الذي صادفته “بناء” أثناء زيارتها للمصنع.
بخيبة أمل واضحة على ملامحه، يتذكر العامل سالم أنه “” كان لدينا أمل أن يكون المصنع بداية لإنشاء عشرات المصانع للصياغة الغزل والنسيج في البلد، لكن ما آل اليه الوضع لا يوصف، تدمر أهم منجز اقتصادي أمام أعيننا دون أن تنجح محاولاتنا بوقف ذلك، تبخر كل شيء”.
في هذا التحقيق، تحاول “بناء” الإجابة عن سؤال كيف خرج خط الإنتاج الصناعي الأول في البلد عن العمل، وتحولت قلعة الصناعات اليمنية إلى أطلال شاهدة على فشل الدولة وذكريات عالقة في صدور العاملين بقطاع القطن وجرحا نازفا في كبرياء الكرامة الوطنية، من خلال تتبع مسيرة مصنع الغزل والنسيج، والبحث مع المختصين والمسؤولين عن متطلبات إعادة تدوير عجلته واستمرارها في المستقبل.

التشييد والعصر الذهبي
بناء على اتفاقية صداقة موقعة بين اليمن والصين أواخر الخمسينات، أكمل الأخير تشيد المصنع عام 1967، كأول مدينة صناعية متكاملة للصناعة الغزل والنسيج في الجزيرة العربية، تضم أربعة مصانع تم التعارف على توصيفها بالأقسام، هي: الغزل، النسيج، الصباغة والطباعة، بالإضافة إلى مصنع للزيت ومحلج للقطن وثلاث محطات منفصلة لتوليد الكهرباء والبخار وترشيح الماء والعديد من الورش الفنية والمستودعات، وتنتج خيوط وأقمشة من 10 إلى 11 مليون ياردة سنويا، حسب الموقع الرسمي لوزارة الصناعة والتجارة.
كل شيء بني على الطراز الصيني فيما عدا اختيار موقع تشييد المصنع بالعاصمة صنعاء كان قرارا يمنيا حينها حسب العديد من الروايات المتطابقة، وهكذا استمر تواجد الكوادر الصينية في إدارة وقطاعات الإنتاج حتى الوقت الذي كان سالم، قد التحق بالعمل في المصنع.
ويذكر أحد أقدم العمال، أن “المصنع لم يتوقف عن العمل حتى في حصار السبعين يوما”، وهي الفترة التي حاصرت فيها فلول الملكية صنعاء، عاصمة الجمهورية الوليدة لسبعين يوما عام 68، فيما شهد فترة ازدهار وزخما كبيرا بعد تولي قائد حركة الـ13 من يونيو الرئيس الأسبق إبراهيم الحمدي مقاليد الحكم، إذ تم تحديث المصنع بتزويده بخط بـ115 نول نسيج روسي الصنع، منها 95 نولا طاقتها مضاعفة، سمحت للمصنع فنيا بعدم الاعتماد على القطن الصافي كمادة خام وحيدة، ومكنته من خلطها بتقنية “البوليستر”.

فلسفة الحمدي تجاه المصنع
كانت الفلسفة السياسية التي تبنتها حركة التصحيح بقيادة الحمدي تجاه مصنع الغزل والنسيج قائمة من منطلق أن العاملين في مجال القطن يمثلون النواة الأولى لمجتمع أو منظمة العمل بالبلد إذا جاز التعبير، ومن باب مصنع الغزل دخلت اليمن كعضو في اتحادات العمال العربية والأسيوية والدولية وانضمت للاتفاقيات العمل المختلفة حسب ما تؤكده المعلومات الرسمية.
وأنشئت الدولة مدينتين سكنيتين لعمال القطن، واحدة في الحديدة تم تشيدها والأخرى كانت في صنعاء لعمال المصنع الذين ذهب حلمهم بالاستقرار بمنازلهم الجديدة مع اغتيال الحمدي، فيما تم مصادرة جزء كبير من أراضيهم لصالح جهات نافذة وما تبقى مقيد بأدراج المحاكم بعد النزاع عليها بين العمال والمؤسسة من جهة ومصلحة أراضي وعقار الدولة من جهة أخرى، حسب أحد العمال الذي وصف لنا بأسف، حالهم بعد توقيف الأرض، بالقول : “نمنا أغنياء وصحينا فقراء”.

مسار التعثر وملامح الانهيار
طوال عقد الثمانيات، استمرت مسيرة المصنع تراوح ما بين التعثر والنهوض، تتعثر بالتغيرات التي تفرضها المنافسة في السوق في ظل الاقتصاد المفتوح، وتحاول الحاق بركب التطور بالتكنلوجيا المستخدمة بصناعة القطن عالميا عبر استيراد آلات وأدوات جديدة من دول مختلفة، بجهود لم تكن تستند على رؤية علمية مدروسة، بحسب مدير الشؤون الفنية بمصنع الغزل والنسيج خالد الاغبري، في حديثه لبناء.
ويوضح الاغبري أنه “كان يجب قصر تحديث المصنع وتزويده بالتكنولوجيا المواكبة للعصر من الصين فقط لكونها الجهة التي قامت بتشييده، ولكون الحكومات الصينية المتعاقبة ظلت تشعر بالتزام معنوي تجاه المصنع الذي يعبر عن رمز الصداقة بين البلدين”.
مع تحقيق الوحدة عام 90، بدأت ملامح الانهيار تظهر على المصنع، لأسباب عدة منها: التضارب بالرؤى الذي شهدته تلك المرحلة حول مصير مؤسسات الشطرين، حيث تنازعت الرؤى حول مصير مصنعي القطن والمنسوجات في عدن وصنعاء، بين ضمهم إلى مؤسسة واحدة أو إبقائهم مستقلين ونتج عن ذلك انحلال مصنع الغزل في عدن بعد حرب صيف 94، وتعثر مصنع الغزل في صنعاء، حسب إجماع كل المختصين والمهتمين بالمصنع.
ويذكر أحد العمال الذين لهم باع طويل في المصنع، وأمين مخازنه علي عبده مرشد، في حديثه لبناء، أن تلك الفترة اتسمت، “بتراجع حضور منتجات المصنع في السوق مع كثافة حضور المنسوجات المستوردة ذات الجودة العالية والتكلفة الأقل، وبدأ المصنع يصارع لدرجة أن تسويق منتجاته كانت أحد أصعب المهام التي تواجهه.

انهيار ومعالجات كارثية
نتيجة لعدم استبدال الآلات القديمة بآلات حديثة تواكب تطورات السوق، تراجع إنتاج المصنع من 4 طن إلى أقل من 2 طن يوميا في الفترة التي سبقت إعلان المؤسسة رسميا أنها غير قادرة على توفير نفقاتها التشغيلية عام 2000، وبدلا أن تقوم الحكومة بالمبادرة لتصدي لحل المشكلة، ذهبت المؤسسة الأمنية والعسكرية التي كانت تستهلك 80% من منتجات المصنع إلى الاستيراد الخارجي عام 2001، الأمر الذي جعل أحد عمال المصنع يذهب إلى فرضية تعرضه لمؤامرة.
8 مليارات ريال مديونية المصنع للبنوك الحكومية والأهلية
وتدعم تلك الظنون إغراق المؤسسة بالقروض الربوية التي قدمتها البنوك الحكومية والأهلية للمؤسسة لترتفع مديونيتها إلى 8 مليارات ريال، حيث قدم بنك التسليف الزراعي (كاك بنك)، مبلغ 300 مليون ريال، تضاعفت أرباحها ونسبة فوائدها بشكل يثير الدهشة إلى 2 مليار ريال، فصلت الحكومة فيها عام 2009، بتشكيل لجنة ببيع الأرضية الشمالية للمصنع لصالح البنك، في خطوة يصفها مدير الشؤون القانونية للمؤسسة الوطنية لصناعة الغزل والنسيج، أحمد القعطبي، “بالمجحفة جدا والضربة القاصمة للمؤسسة”.
تسريح وعملية تحديث مفتوحة
بناء على توصيات لجنة مشكلة من وزارة الصناعة والتجارة، أعلنت المؤسسة في يوليو من عام 2005، منح عمالها الذين يتجاوز عددهم الألف و900 عامل وعاملة، إجازة مفتوحة إلى أن يتم الانتهاء من عمليات التحديث بالقرض الذي حصلت عليه المؤسسة من قبل الحكومة الصينية بقيمة 7 ملاين ونصف المليون دولار.
كان من المتوقع ألا تتجاوز عملية التحديث لجعل المصنع قادر على تغطية ما نسبته ( 30 – 40 %) من احتياجات السوق، أكثر من عام حسب الإعلان، لكن ما جرت عليه الأمور مختلفا تماما.
اقتصرت العملية على قسم الغزل فقط واستمرت حتى عام 2007، الذي تم فيه اجراء أول عملية تشغيليه يتيمة للقسم بإنتاج عشرين طنا من الغزول بلون الخيط الطبيعي، ما زالت في مخازن المصنع حتى اللحظة بسبب عدم قدرته على تصريفها نتيجة لإغفال عملية التحديث لآلات التلوين، حسب ما كشفه لمعد التحقيق، أحد الفنيين في القسم.
وحول سبب عدم تحقيق النتائج المرجوة من التحديث الذي تم بالقرض الصيني، يوضح مدير الشؤون الفنية الاغبري، أن ” المبلغ جاء بطلب من الحكومة اليمنية للجانب الصيني لم يكن كافيا لتحديث جميع أقسام المصنع”.
تشير دراسة جدوى عدتها لجنة مختصة في المصنع عام 2001، حصلت بناء على نسخة منها، إلى أن تكلفة عملية تحديث مكتملة لأقسام المصنع، تقدر بأكثر من 20 مليون دولار، وهو مبلغ يساوي ثلاثة أضعاف المبلغ المقدم بالقرض، مع الأخذ في الاعتبار أن الدراسة حينها لم تشمل الاضرار التي لحقت بالمصنع بفعل التوقف لسنوات وجراء أحداث 2011 ، وقصف تحالف العدوان في يوليو عام 2015.

أضرار الصراع والحرب
لموقعه في قلب منطقة الصراع الدائر بين الأطراف المتصارعة بالعاصمة صنعاء في أحداث 2011، دفع المصنع المترنح ضريبة كان في غناء عنها.
إذ توقفت عمليات تجارب الإنتاج التي كان المصنع يجريها في قسم النسيج تماما، وطاله أضرار بليغة نتيجة القذائف والأعيرة النارية المتساقطة على أقسامه وآلاته التي اعطب بعضها وتأثر الأخر مضيفة أعباء أخرى على اعباءه.
إلا أن الاستهداف المباشر الذي طاله من قبل طائرات التحالف، حيث نتج دمار كلي في قسم النسيج، 40 من مجموع 90 آلة انتهت تماما.

خسائر الاقتصاد
خلال ثمانية أعوام من توقف المصنع، بلغت مقدار الخسائر المباشرة التي تكبدتها خزينة الدولة 6 مليارات و716 مليون ريال، حسب تقرير صادر عن وزارة المالية في سبتمبر عام 2013، لكن حجم الخسائر غير المباشرة كان مهول جدا، إذ تراجعت الأراضي المزروعة بالقطن في تهامة بنسبة تفوق الـ 80% عما كانت عليه قبل توقف المصنع المستهلك لـ12 طنا من إنتاجهم، ولم يتجاوز إنتاج البلد من محصوله عام 2019، سوى 16 طنا بحسب بيانات الإحصاء الزراعي لوزارة الزراعية والري.
كان لتوقف المصنع الدور الأكبر في تدمير إنتاج الذهب الأبيض الذي غطت عائداته في منتصف السبعينيات 36 % من الموازنة العاملة للدولة، فيما سد بيع مؤسسة القطن في الحديدة-المناط بها تقديم العون للمزارعين من بذور وقروض ووقود قبل بدء الموسم مقابل التزامهم بسدادها بعد الحصاد- لصالح بنك اليمن والكويت، نافذة الأمل لدى المزارعين في تهامة ودفعهم للتوجه نحو إحلال زراعة التبغ بديلا للقطن في مزارعهم.

بارقة أمل
خلال فترة توقفه، شهد عدة محاولات لتشغيله، كانت أكثرها إصرارا المحاولة الأخيرة التي جاءت بعد 15 سنة من توقفه، إذ تم تشغيل قسم الخياطة لتلبية الاحتياجات من الكمامات والملابس الطبية لمواجهة انتشار جائحة كورونا، كم تم تأهيل أقسام المصنع للعمل بمبادرة من طلاب من قسم الميكرونيكس بكلية الهندسة بجامعة صنعاء ومهندسي وكوادر المصنع الذين شخصوا احتياجاته وبدأت المؤسسة باستيرادها، حسب رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للصناعة الغزل والنسيج، عبد الإله شيبان، في حديثه لبناء.
وحول سؤال “بناء”، عن واقع الأقسام المؤهلة حاليا وسبب عدم تشغيلها وصحة المعلومات التي تشير إلى وجود خلاف بين المؤسسة وأحد المستثمرين الذي دخل كشريك ممول لإعادة تشغيل المصنع، أكتفى رئيس مجلس إدارة مؤسسة الغزل بالإشارة إلى كونها مشاكل تمويل وإدارة.
وأوضح شيبان، أن: قسم الغزل حاليا قادر على استئناف العمل في ظرف شهر، والبدء بتشغيل يومي بمقدار تسعة طن يوميا، الكفاءات بالآت القسم متوفرة وقادر على إنتاج أنواع معينة من الغزول ما تنتجه دول كالهند وغيرها، فيما أعيد تشغيل 75 آلة متضررة من القصف في قسم النسيج ومحتاج للمزيد من التحديث لينتج 14 ألف ياردة.

خطة للنهوض
وحول خطة المؤسسة لإعادة تشغيل المصنع والعراقيل التي تواجهها، يوكد شيبان، أن” المؤسسة لديها خطة مدروسة لتحديث جميع أقسام المصنع خلال خمس سنوات تمكنه من النهوض بعدها مباشرة إلا أن أبرز العراقيل التي تواجهها هي بإيجاد تمويل كافي لتغطية عوامل مرتبة ترتيب ضرورة يأتي في مقدمتها إعادة تأهيل جميع أقسام المصنع وتوفير آلات ومعدات جديدة تمكنه من مواكبة التكنولوجيا المتطورة المستخدمة حاليا في العالم”.
مقدار التمويل الذي تحتاج له المؤسسة لإعادة التأهيل يبلغ 5 ملاين دولار، و10 مليار ريال كميزانية تشغيلية للعام الأول، وفقا لخطة المؤسسة التي يشير رئيسها إلى المصنع سيكون قادر على سد جميع احتياجات السوق من الغزول.
ويلفت شيبان إلى أن اليمن تمتلك الكثير من المزايا المشجعة لصناعة القطن، حيث أن “القطن اليمني من أجود وأنقى أنواع القطن في الشرق الأوسط والعالم، والكثير من البلدان التي تستورده تقوم بإعادة معالجته وتسويقه للاتحاد الأوربي، بالإضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يتيح خيارات كثيرة للاستيراد والتصدير”.
ويرى شيبان أنه لكي تنجح اليمن باستثمار المزايا التي تمتلكها، فإنه يتحتم عليها الدخول بشراكات دولية، قائلا: صناعة القطن لن يكتب لها النجاح حقيقة بدون شراكة دولية”، ويشيرا إلى أن دولة الصين المتربعة على عرش صناعة القطن عالميا هي أنسب البلدان لذلك.
خاتمة
قد لا يكون مرد انتظار العامل المتقاعد، عبده سالم، لعودة انبعاث النار من مدخنة المصنع رغبة منه باتخاذ موقعه بخط الإنتاج كما كان في سابق السنوات السبع والثلاثين التي قضاها بالخدمة وخرج منها براتب تقاعدي (33 ألف ريال)، صار استلامه متقطع خلال سنوات الحرب ويعيش كما أغلب عمال المصنع في مساكن متهالكة بمدينة العمال التي لم يعد فيها شيء يستحق تلك التسمية، بقدر ما يعني له ذلك، أن خمسين عاما من عمره، لم تذهب هباء منثورا، بقدر ما يعني للاقتصاد اليمني، أن قلعة صناعته الأولى لن تظل حصرا للذكريات.












